وهو السيد العالم المحدّث الجليل والفقيه الخبير المتتبع النبيل والمجاهد
آية الله الحاج السيد محمد علي نجل آية الله السيد محمد موسى الجزائري
الشوشتري، وهو من عائلة علمائية أباً عن جد لا سيما علمها الكبير السيد
نعمة الله الجزائري ، كلهم من أهل العلم والمعرفة.
أما والده الكريم فهو ـ كما كتبتُ عن حياته ـ ممن قلّ نظيره من المفاخر
والأعلام المعاصرين في محافظة خوزستان، امتاز سماحته بمواقفه الصلبة تجاه
المنكرات وما خالف الشرع، وأيضاً محاربة العادات والتقاليد الغربية
الهجينة.
ولادته وصباه:
ولد الأستاذ الكبير آية الله الجزائري
عام ………………. في مدينة العلم والعلماء ((شوشتر)) ، التي اشتهر أهلها
بالمحافظة على السنن الأصيلة، وتنشئة كبار علماء الشيعة في الماضي والحاضر
.
وأما والدته فهي العلوية الجليلة بنت أحد مراجع العصر ، هو سماحة آية الله
العظمى السيد مهدي آل طيب، فهو وليد بيت علم ومكرمات، حيث إنه ومنذ سن
السادسة بدأ بالتعلّم عند كتّاب ال في شوشتر، لتعلّم القرآن وغيره من
الدروس آنذاك.
دراسته الحوزوية:
دخل سماحته الحوزة في شوشتر بعد إكماله للكتّاب، ليدرس المقدمات عند
الأجلاء أمثال:
1 ـ والده الكريم آية الله السيد محمد موسى الجزائري.
2 ـ آية الله السيد محمد حسن آل طيب.
3 ـ آية الله الحاج الشيخ محمد تقي الشوشتري (صاحب قاموس الرجال).
ويذكر آية الله السيد محمد علي الجزائري خواطره عن هذه الفترة الدراسية
فيقول:
كنتُ لم أكمل المقدمات بعدُ، حيث سافرت إلى مشهد الرضا (ع) ، وفي هذه
السفرة ارتديت العمّة على يد والدي المرحوم في الحرم الرضوي، أعقب ذلك حفل
مختصر في منزل المرجع الفقيد آية الله المدني (قدس)، حيث كانت تربطه
بالوالد علاقة حميمة إضافة إلى علاقات نسبية مع السادة الجزائريين وكنت في
وقتها أعزب عندما دُعيتُ لإمامة المصلين في مسجد الجزائري في شوشتر.
السفر إلى النجف
الأشرف:
بعد إكماله المقدمات والسطوح وقليلاً
من البحث الخارج ، سافر سماحة السيد إلى عاصمة العلم والاجتهاد، حاضرة
العلم، ومدينة الإمام علي (ع) ، النجف الأشرف، فانكبّ مع وصوله على الدرس
والكتابة والمباحثة مع الزملاء فكان حماسه وقابلياته إضافة إلى تواجده قرب
كبار العلماء في النجف ، كان هذان العاملان سبباً في نيله للمراتب العليا
في العلم والتحقيق حيث نهل من معين مفاخر النجف أمثال:
1 ـ آية الله الشهيد
السيد محمد باقر الصدر (قدس).
2 ـ آية الله العظمى السيستاني.
3 ـ آية الله الروحاني.
4 ـ آية الله الشهيد ميرزا علي الغروي.
5 ـ آية الله السيد علي البهشتي.
6 ـ آية الله السيد محمد جعفر المروّج الجزائري ( من علماء خوزستان
الكبار).
7 ـ آية الله السيد جعفر الجزائري.
8 ـ آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي.
9 ـ آية الله العظمى والمجدد الإمام الخميني رحمة الله عليهم جميعاً.
ويذكر السيد عن درس الإمام الخميني (ره) فيقول: كانت لي رغبة كبيرة في حضور
دروس الإمام (ره) وهي بحقّ كانت ذات مستوى عالٍ وعمقاً بالغاً بحيث كانت
تستوجب المطالعة الدقيقة.
وكان للسيد الجزائري روابط وعلاقات تجمعه مع عائلة آية الله العظمى السيد
محسن الحكيم (ره) وأولاده خصوصاً الشهيد العالم السيد عبد الصاحب الحكيم
(ره) ، وكان الشهيد السعيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم (ره) من
مباحثي وزملاء السيد الجزائري ، وكان السيد يذكر من صفاته إضافة لمخزونه
العلمي وقابلياته فكان ذا تقوى وورع أيضاً.
الهجرة من النجف إلى قم:
أُجبر السيد على مغادرة النجف من قبل البعثيين عام 1350 هـ ش، مع مرارة
البعد عن مرقد جده سيد الأوصياء وأمير المؤمنين (ع) ، إلاّ أنه ظلَّ
مواصلاً لطريقه بنفس الحماس والمثابرة ، لذلك عزم بعد وصوله إلى إيران على
الهجرة إلى عشّ آل محمد قم المقدسة، وكان جلّ نشاطه هناك هو المطالعة
والتأليف إضافة إلى التحقيق والإفادة من وجود الفطاحل هناك أمثال:
1 ـ آية الله الوحيد
الخراساني.
2 ـ شيخ الفقهاء آية الله الأراكي.
وحصل في بعض الأحيان أن يجرّه السؤال والحديث مع الشيخ الخراساني حتى باب
منزله، رغبة منه في العلم والتنور بالحقائق.
وأيضاً ينقل السيد الجزائري عن أستاذه الشيخ الأراكي قائلاً: كان درس الشيخ
الأراكي يُعقد قريب الغروب في المدرسة الفيضية، حيث كان يمتاز بكثرة
المحتوى وقلة الحجم، وأكثر تلامذته كانوا من علماء الحوزة في قم وكان الشيخ
الأراكي كثير الإعجاب بأستاذه المرحوم آية الله الحائري (مؤسس الحوزة
العلمية في قم) ولطالما كان يتحسّر على الغموض في نظرياته لاختصاره في
البيان.
كانت آراء الشيخ الأراكي حاذقة ومتقنة وأنا كنت من المعجبين بمباحثه
الأصولية ذات المتانة الفائقة ، وفي بعض الأحيان كنت أذهب إليه في بيته
لطرح إشكالاتي ، وكان يستمع لي بكل صبر وتحمّل، وبعد ذلك يرد على الإشكالات
بصلابة مدافعاً عن نظرياته.
دعوته إلى الأهواز:
كان آية الله الجزائري من جملة العلماء حديثي الاجتهاد في قم لِما بحوزته
من إجازات في الاجتهاد والرواية من كبار المراجع آنذاك ، فكانت لديه إجازة
في الرواية من قبل المرحوم المحقق الكبير والعلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني
سنة 1353 هـ ش، في تلك الفترة وجّه له أهالي الأهواز دعوة بالقدوم عليهم
ليكون إماماً لمسجد الجزائري هناك، ولإفادة الجيل الصاعد من تجاربه.
وقد ازدهرت النشاطات الثقافية بقدومه للمسجد المذكور، فمارس التدريس
والمحاضرة في المناسبات، وإيضاح الأحكام الدينية، وكان من إنجازاته في مسجد
الجزائري هو تأسيس المكتبة العامة فيه، وقد أولى السيد اهتماماً بالغاً
بالشباب هناك ، فكان يقيم جلسات وحوارات عقائدية تفسيرية وأيضاً في
الاقتصاد الإسلامي، ولا يزال إلى الآن على نشاطه هذا .
دوره في الثورة:
دخلت الثورة بعد ترحيل الإمام واستشهاد ولده السيد مصطفى مرحلة جديدة من
النضال والتضحية، وقد أصدر آية الله الجزائري بياناً حول مقتل السيد مصطفى
المشكوك في ملابساته ، وَقّعَت عليه جامعة الروحانيين في الأهواز، وقد
تضمّن البيان اسم الإمام(ره) حيث كان ذلك ممنوعاً من قبل السلطة، وأيضاً
سافر السيد إلى قم للمشاركة في مجلس الفاتحة المقام من قبل آية الله السيد
بسنديده الأخ الأكبر للإمام (ره) على روح السيد مصطفى (ره)، وقد أغلق أهالي
الأهواز المساجد إبان انتفاضة أهالي قم في 19 دي شمسي، وذلك لمدة أسبوع
احتجاجاً على السلطة وتضامناً مع المنتفضين.
وعند استمرار القمع في سائر المدن ومنها يزد التي شهدت استشهاد الخيرين من
أبنائها أقام مسجد الجزائري مراسم السابع لاستشهادهم مما أثار حفيظة أزلام
السلطة وحدث أن هجموا وبكل همجية على المسجد، وأطلقوا النار على الناس مما
أدّى إلى قتل واحد وجرح آخرين.
أما عن ذكريات لقائه مع الإمام الخميني (ره) في باريس فيروي السيد الجزائري
قائلاً: عام 1357 هـ ش كنت في لندن بصحبة والدي لغرض العلاج هناك، فتوجهت
من لندن إلى باريس بغية الملاقاة مع الإمام (ره) ، وتشرفت بالجلوس معه
ومحاورته حول متطلبات الثورة ومتبنياته في ذلك، فكان مجهوده يتضاعف كلما
اقترب موعد النصر الرباني، وكانت جميع التكتلات الانقلابية لا تعقد
اجتماعاً إلاّ بإذن من السيد الجزائري سواء في المعامل أو الإدارات وغيرها،
فإن دور السيد الجزائري بمستوى لا يسع المجال لذكره بل هو ما يحتاج لكتاب
مستقل بحدّ ذاته.
مشاركته في الجبهة:
بعد انتصارالثورة وإثمار دماء الشهداء
الطاهرة، بما بذله الإمام من مجهود وهكذا سائر العلماء في إيران ومنهم
السيد الجزائري في الأهواز، إلاّ أن الاستكبار العالمي لم يحتمل النظر إلى
إيران إسلامية، لذا عمد إلى إبرام الدسائس مع عميله في العراق كي يُباغت
الثورة الحديثة الولادة، فشنّ حرباً واسعة على البلاد، وذلك بتاريخ 31
شهريور 1359 ش ، وكانت البداية هي بقصف المطارات لا سيما مطار الأهواز،
فكانت خوزستان أكثر تعرضاً للغارات المعادية وهذا مما زاد في المسؤولية
الملقاة على عاتق السيد الجزائري هناك فكان حضوره بين الناس وتفقده لهم مما
يُهدىء روعهم ويشد من عزيمتهم.
وكان أباً رؤوفاً لسائر المجاهدين من البسيج والجنود، ولطالما كان يبشرهم
بالنصر القريب.
هذه بعض مواقفه ، أما أن نسرد جميع قراراته الحاسمة ومواقفه المشرفة وقوة
عزمه إلى جانب رفقائه وتلامذته في الدفاع عن الإسلام وإيران الإسلامية، وما
قدم من شهداء من خيرة طلابه، فهذا ما يحتاج إلى مبحث مستقل لا يفي به هذا
المختصر.
بركات وجوده في
خوزستان:
كان ولا يزال لتواجده في خوزستان الفائدة الوافرة لأهاليها، وهنا أود أن
أشير إلى بعض ما قدمه سماحته من خدمات جمّة:
1 ـ تأسيس حوزة الإمام الخميني (ره) العلمية، وقد خرّجت هذه الحوزة العديد
من الفضلات إلى المجتمع، وهذا ما تشرفتُ به أنا ووالدي في هذه المدرسة، وما
زلنا ننعم بصفاته الأخلاقية والعلمية، ولنا الفخر في هذا اليوم أن نكون
ممّن مَنَّ عليه السيد بإضفاء لباس العمّة عليه (الزي الديني المقدس) حفظه
الله تعالى وأبقاه ذخراً.
2 ـ تأسيس حوزة علمية خاصة بالنساء، سنة 1361 ش.
3 ـ تأسيس مركز للتحقيقات الحوزوية.
4 ـ تأسيس مركز لمراجعة العوائل وحل مشاكلهم الاجتماعية وكان مركزاً في
غاية النجاح والموفقية.
5 ـ تأسيس مركز لحل الخلافات العشائرية.
6 ـ مكتب للإجابة علي المسائل الشرعية.
إضافة إلى غيرها من الأعمال التي ساهم في إنجازها.
صفاته الأخلاقية:
عُرف سماحته بحسن الخلق، وسعة الصدر وحسن التدبير وتواضعه والبساطة في
العيش ، فكان مع الناس على اختلاف أصولهم العرقية والطائفية دون تمييز بين
واحد منهم، ولا أنسى مواظبته على حضور مجالس الفاتحة عند القبائل العربية.
وكان أيضاً كثير الاهتمام بطلابه ، أما مساعداته العديدة عن طريق مكتب
(إمام الجمعة) فهو خير دليل على اهتمامه بالفقراء والمساكين، وكانت له
اهتمامات بسائر الحوزات خارج الأهواز من مدن خوزستان، وهو دائم التفقّد
لطلابه خارج المحافظة أو خارج البلد وعلى صلة بهم. ومن ألطافه أن تملأ
طلابه مشارق الأرض ومغاربها لإحياء كلمة الدين الحنيف.
وأنا حيث أقبّل يدهُ عبر المسافات البعيدة أتمنى له من الله عزوجل طول
العمر والصحة والعافية.
|
كتبها : عبد المجيد
السيمري |
|
 |
|
آية
الله الجزائري في مراسم تعميم الشيخ عبدالمجيد
السيمري في عام 1376 هجري شمسي |